في خضم النقاشات الحامية حول سبل وقف تدفق المهاجرين على سواحل الأوروبية و تبديد التوتر غير مسبوق الذي اندلع بين حكومات و مسؤولين أوروبيين، لاسيما بخصوص إعادة توزيع اللاجئين ، ظهر خلال الثلاث سنوات الأخيرة نوع جديد من الهجرة السرية يقبل عليها الحالمون بالوصول إلى أوروبا على متن رحلة ميزتها الآمان و الراحة لكن بكلفة مالية أكبر.
و سرعان ما بدأت هذه الهجرة السرية “الراقية” و غير المألوفة تتنامى في أوروبا ، لما توفره من آمان و لكونها في معظم الأحيان في منأى عن عمليات الرصد الأمنية ، كما يصعب أحيان ملاحقة المتورطين في تنظيم رحلاتها أو توقيفهم، خاصة و أن اليخوت المستعملة تكون مجهزة بأحدث تقنيات المراقبة و ترصد حالة الطقس بدقة و تتميز بسرعتها العالية و قدرتها على العبور إلى الضفة الاخرى في ظرف ثلاث أو أربع ساعات .
و في هذا السياق ، كتبت صحيفة (لاريبوبليكا) في مقال نشرته أمس الأربعاء أنه خلافا لما اعتادته أجهزة الأمن الإيطالية في جهودها الرامية لمكافحة الهجرة غير الشرعية، تجد نفسها اليوم أمام تحدي وقف “هجرة سرية فاخرة” ينشط فيها أفراد عصابات لتهريب البشر ينحدرون جميعهم من دول أوروبا الشرقية .
وكانت آخر عملية اعتقال لأشخاص ينتمون لعصابة لتهريب البشر قد نفذت من قبل عناصر الدرك (كارابينيري) يوم الاثنين الماضي في ريجيو كالابريا جنوب إيطاليا ، وكشفت التحقيقات أنهم قاموا بتنظيم رحلات للهجرة غير الشرعية تنطلق من اليونان و تركيا في تجاه سواحل إيطاليا و أشارت إلى أن السلطات الإيطالية تمكنت في الفترة ما بين 2017 و 2019 من حجز نحو 26 سفينة فاخرة و يخوت كانت في طريقها إلى كالابريا، كما قامت الشرطة القضائية باعتقال 40 شخصا يحملون جنسيات دول أوروبية، مضيفة أنه تم تسجيل في سواحل جنوب إيطاليا 30 عملية إدخال مهاجرين سريين على متن يخوت فاحرة، خاصة في منطقتي سالنتو و كروتوني . و ذكرت وسائل إعلام إيطالية أن بعض القوارب الفاخرة التي تستخدم للهجرة السرية يتراوح طولها ما بين 10 و 12 مترا، مشيرة إلى أن اليخوت تكون في بعض الأحيان مسروقة او يتم استأجارها في موانئ تغادر منها باتجاه إيطاليا.
و لكي تمر عملية وصولهم لإيطاليا بنجاح “يكونو ا هؤلاء المهربين عادة مزودين بجميع المعدات التي تمكنهم من الإفلات من عمليات الرصد و يستخدمون في المياه الإقليمية أعلام دول من الشرق الأوسط و من أوروبا “.
و بالنسبة لرئيس النيابة العامة في كروتوني جوزيبي كابوكيا، فإن ما يميز “هجرة الدرجة الأولى ” كذاك هي أن المهاجرين الذين يختارونها “يتوفرون على مستوى تعليمي عالي و لديهم معلومات مسبقة و يعرفون ما يقومون به ، مشيرا إلى أن معظمهم أكراد وباكستانيين ومواطنين من جنوب شرق آسيا، أما المهاجرين الذين يكونون يائسين فيركبون قوارب متهالكة تقلهم من إفريقيا إلى صقلية و يموت البعض منهم غرقا في البحر المتوسط . و قال إن الفئة الأولى من المهاجرين غير الشرعيين “يدفعون الكثير من المال، من أجل السفر في ظروف مقبولة تقريبا ، لدرجة أننا في كثير من الأحيان نفشل في توجيه تهمة المعاملة اللاإنسانية و المهينة للمتورطين في تنظيمها”. وبالفعل تجتهد عصابات تهريب البشر في ابتكار حيال جديدة تضمن هجرة إلى أوروبا آمنة و غير محفوفة بالمخاطر لمن بمقدورهم دفع مبالغ طائلة .
و يستخدم المهربون يخوت تمكن من الوصول إلى إيطاليا في ظرف بضع ساعات”، يقول سالفاتور فيلا، مدع عام جنوب إيطاليا، مضيفا أن “بعض مهربي البشر يعملون وكأنهم وكالات سياحية غير شرعية، إذ يعرضون على المهاجرين رحلات من الدرجة الأول و الثانية و الثالثة، ولكل منها سعر خاص يتناسب ما يستطيع المهاجرون دفعه”.
و بالنسبة لبعض المهاجرين فإن اليخوت تعتبر و سيلة مثالية لما توفره من راحة و أمان، و لإبحارها بسرعة، إذا ما قورنت بالقوارب المطاطية أو مراكب الصيد المتهالكة التي يستعملها مهاجرون “فقراء” في أغلب الأحيان للوصول إلى أوروبا.
و تعليقا على الموضوع، قال كارلو باريني، رئيس وحدة التحقيقات في مكتب مكافحة الهجرة غير الشرعية في سيراكيوز، “رأيت أطباء ومحامين وأساتذة جامعيين ورجال أعمال، يأتون إلى إيطاليا على متن يخوت”.
و يدفع المهاجر الواحد للوصول إلى إيطاليا على متن يخت بآمان و رحة و في عضون 3 إلى 4 ساعات 10 آلاف أورو ، فيما مهاجر آخر يواجه المجهول في رحلة محفوفة بالمخاطر يمكن أن تستمر عاما أو عامين، تكلفه ما بين 200 إلى 700 أورو و بحسب المكتب الأوروبي للشرطة “يوروبول” فإن بعض المهاجرين يدفعون ما بين ثلاثة و خمسة آلاف أورو ثمن رحلة كاملة إلى أوروبا رفقة مهاجرين أخرين ليتكدسوا في قارب هش، يكون أحيانا مصيره الغرق. وتحذر المنظمة الدولية للهجرة من تزايد عدد المهاجرين الذين يموتون غرقا في البحر الأبيض المتوسط وهم يحاولون الوصول إلى سواحله الشمالية، إذ بلع عدد ضحايا الهجرة السرية في الفترة ما بين يناير و 16 شتنبر 2019 ، حوالي 1071 مهاجرا.
و في الوقت الذي تنكب فيه جهود جميع القطاعات الحكومة و المنظمات الدولية المعنية على البحث عن سبل منع “مهاجرين يائيسن” من الوصول للسواحل الإيطالية، تظل الهجرة السرية “الفاخرة” التي تدر أرباحا طائلة على مهربي البشر و مساعديهم، “تزدهر في صمت”، بحيث أصبح الطريق البحري شرق بحر إيجه و مرورا بالبحر الأيوني، هو المدخل الرئيسي لإيطاليا.
