قدمت رئاسة النيابة العامة اليوم الثلاثاء بالرباط، الدليل الاسترشادي لقضاة النيابة العامة في مجال مناهضة التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، والذي يرمي إلى توفير المعلومات الحقوقية والقانونية المتعلقة بمكافحة التعذيب، وتوضيح الإجراءات المسطرية التي يتم اتباعها للبحث في ادعاءات التعذيب.
وقال مصطفى فارس ، الرئيس الأول لمحكمة النقض، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، إن الدليل الاسترشادي لقضاة النيابة العامة في مجال مناهضة التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، يعد مبادرة هامة ذات أبعاد متعددة تعكس الانخراط الجاد للسلطة القضائية بالمملكة في الورش الإصلاحي الكبير الذي يقوده الملك محمد السادس ،من أجل مجتمع الكرامة والحرية والمواطنة والمسؤولية.
وأوضح أن تقديم الدليل الاسترشادي في هذا اليوم الذي يتزامن مع تخليد المجتمع الدولي للذكرى 71 لإقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان،وكذا الذكرى الخامسة والثلاثين لاعتماد اتفاقية مناهضة التعذيب من طرف منظمة الأمم المتحدة، يساهم في إنتاج معرفة قانونية وقضائية رصينة تكرس ثقافة حماية حقوق الإنسان كممارسة ومنهج عمل لدى المكلفين بإنفاذ القانون.
وأضاف الرئيس الأول لمحكمة النقض، أن هذا الدليل سيساعد جميع القضاة رئاسة ونيابة عامة على الاطلاع على أهم المواثيق والمعاهدات الدولية ذات العلاقة والتي تطرقت إلى المعايير الدولية بخصوص إجراءات البحث والتحقيق والمحاكمة بمناسبة النظر في قضايا التعذيب أو عند تلقي ادعاءات بالتعرض إلى التعذيب بغاية تتبع وملاحقة من ارتكبه وإنصاف من تعرض له .
وتابع أن هذه المبادرة ستفتح “لنا كسلطة قضائية آفاقا وآليات أخرى للتحسيس والوقاية والتعاون مع كل الفاعلين من أجل مواجهة كل الحالات التي قد تمس بهذه المنظومة الحمائية” ذات الأبعاد الدستورية والمؤسساتية والتشريعية والحقوقية المهمة.
وأشار فارس إلى أن الدليل الاسترشادي يؤكد “التفاعل الإيجابي والديناميكية الكبيرة لبلادنا مع هذه المنظومة الدولية لحقوق الإنسان” سواء على مستوى التكريس الدستوري باعتباره ميثاقا حقيقيا للحريات والحقوق الأساسية يتلاءم مع المرجعية الكونية، أو على مستوى تصديق المغرب على المعاهدات الدولية الرئيسية المتعلقة بحقوق الإنسان، و كذا التزامه بتقديم تقاريره بانتظام إلى لجان الرصد المحدثة بموجب هذه المعاهدات.
كما تتجلى هذه الديناميكية، يضيف فارس، من خلال عمل السلطة القضائية على تكريس مبدأ الاستقلال كضمانة أساسية ومدخل ضروري لحماية الحقوق والحريات والدفاع عنها بكل التزام ومسؤولية، مشيرا إلى أن “المغرب بهذا الخصوص أمام مشروع مجتمعي والتزام دستوري وواجب أخلاقي ومسؤولية وطنية لا مجال للتفريط فيها أو التهاون بشأنها”.
وذكر بأن المغرب يعتبر من بين الدول الخمس التي أطلقت مبادرة دولية لتشجيع وتنفيذ أحكام اتفاقية مناهضة التعذيب، فضلا عن الإصلاحات المؤسساتية والتشريعية التي تروم تعزيز المنظومة الحمائية لحقوق الإنسان خاصة في بعدها الجنائي الموضوعي والمسطري والتي تعكس إرادة حقيقية من أجل مناهضة جريمة التعذيب.
من جهته، أكد مصطفى الرميد، وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان، أن حظر التعذيب يعد من القواعد الآمرة في القانون الدولي العرفي التي تجعل هذا الحظر قاعدة مطلقة وغير قابلة للانتقاص في جميع الظروف حتى بالنسبة للدول التي ليست طرفا في صك دولي بشأن هذا الموضوع .
وذكر بأن الجهود الدولية لمناهضة التعذيب استمرت في دينامية مسترسلة نتج عنها اعتماد البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، اقتناعا من المنتظم الدولي بضرورة اتخاذ تدابير إضافية لتحقيق مقاصد اتفاقية مناهضة التعذيب وبغرض إنشاء نظام قوامه زيارات منتظمة تضطلع بها هيئات وطنية ودولية مستقلة للأماكن التي يحرم فيها الأشخاص من حريتهم بغية منع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
وأضاف الرميد أن المملكة المغربية حققت مكتسابات هامة على الصعيد الحقوقي، وسجلت تطورا معياريا لحقوق الإنسان من خلال تبني دستور 2011 ، الذي رسخ مبادئ وقيم حقوق الإنسان وجرم التعذيب والانتهاكات الجسيمة لهذه الحقوق ،مؤكدا على التفاعل الإيجابي الدائم للمغرب مع مختلف آليات الأمم المتحدة الحمائية والوقائية في مجالال حقوق الإنسان وبالأخص المرتبطة منها بمناهضة ومنع التعذيب.
وأوضح أن من تجليات هذا التفاعل الإيجابي استقبال المغرب للمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بمناهضة التعذيب سنة 2012 ، واستقبال اللجنة الفرعية لمنع التعذيب خلال الفترة الممتدة من 22 إل 28 أكتوبر 2017 ، مما يؤكد للعالم أنه ” لا يوجد لدينا في المملكة المغربية ما نخفيه في موضوع التعذيب ” وأن المملكة المغربية قد قطعت مع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان كما صرح بذلك علانية الأمين العام لمنظمة أمنيسي حين زيارته للمغرب .
من جانبه، قال محمد عبد النباوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، إن المملكة “العضو النشيط في المجتمع الدولي” ، التزاما بتعهداتها الدولية، ولاسيما المنبثقة عن مصادقتها على اتفاقيات الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الإنسان، ومنها العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب (21 يونيه 1993)، وإيمانا منها بأهمية تعزيز حقوق الإنسان وحماية الحرمة الجسدية، جعلت مناهضة التعذيب مقتضى دستوريا، نص عليه الفصل 22 من الدستور المغربي.
وأضاف أنه تفعيلا للالتزامات المملكة المغربية بموجب الصكوك الدولية لحقوق الإنسان، يعمل المغرب على تقديم تقاريره الوطنية أمام لجان الرصد المحدثة بموجب هذه المعاهدات، ويتفاعل مع التوصيات الصادرة عنها. كما يقوم بالتفاعل مع آليات المساطر الخاصة التابعة للأمم المتحدة، من خلال استقبال العديد من الإجراءات الخاصة، منها المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة وفريق العمل المعني بالاعتقال التعسفي.
وذكر رئيس النيابة العامة بأن المملكة عملت على استقبال اللجنة الفرعية لمناهضة التعذيب، وأنشأت الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب لدى المجلس الوطني لحقوق الإنسان في إطار مهامه الحمائية، وذلك تفعيلا للالتزامات التي يفرضها البرتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب.
و تابع أنه في هذا السياق الوطني المزدحم بالإنجازات الحقوقية التي أعقبت الإجراءات المغربية العملاقة التي تمت برسم العدالة الانتقالية، انخرطت النيابة العامة، منذ سنوات في البرنامج الحقوقي الوطني، الرامي إلى الوقاية من التعذيب ومناهضته. وهي جهود مستمرة إلى الآن، حيث تضمن المنشور الأول لرئيس النيابة العامة الالتزام بوضع مناهضة التعذيب ضمن أولويات السياسة الجنائية، وهو ما عكسته التقارير الدورية لرئاسة النيابة العامة، بتخصيصها محورا خاصا بالمعالجة القضائية لقضايا التعذيب.
وأكد عبد النباوي أن النيابة العامة تحرص على التنفيذ الصارم للمقتضيات القانونية المتعلقة بمكافحة التعذيب والوقاية منه، من خلال الزيارات التفقدية لأماكن الاعتقال المختلفة. وكذلك من خلال التشدد في تطبيق المقتضيات القانونية المتعلقة بإخضاع الأشخاص المقدمين إليها بعد الحراسة النظرية لفحص طبي، كلما تم طلب ذلك، أو إذا لوحظ على الشخص ما يستوجبه، بالإضافة إلى القيام بأبحاث في جميع الشكايات المقدمة إليها من أجل التعذيب، تفعيلا للمادة 12 من اتفاقية منع التعذيب.
كما لفت إلى أن رئاسة النيابة العامة تعمل على توفير تكوين عالي الجودة لأعضائها بشأن محاربة التعذيب والإلمام بتقنياته، من خلال إشراكهم في عدة ندوات ومؤتمرات وأيام دراسية، يؤطرها عادة خبراء مختصون.
بدورها ، اعتبرت أمنة بوعياش ، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ان الدليل الاسترشادي يعد بمثابة مرجعية للقاضي في تولي حماية حقوق الإنسان للأفراد والجماعات وحرياتهم وأمنهم ،كما يشكل بالنسبة للمجلس مرجعا للاستئناس به خلال القيام بمهامه الحمائية والوقاية من التعذيب بما يضمن حق التقاضي لكل مواطن للدفاع عن حقوقه ومصالحه التي يحميها القانون.
وذكرت، في هذا السياق، بأن المغرب انكب على قراءة ماضيه وقدم بذلك وضمن مسؤولية سياسية نقدا ذاتيا لتدبيره للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان عبر إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة والتي أصبحت توصياتها مرجعية بخصوص الإصلاحات المؤسساتية والدستورية والتشريعية بما في ذلك مناهضة التعذيب والوقاية منه.
وأكدت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان على تدقيق هذه التوصيات بالقطع مع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ، وكذا إرساء أسس فعلية الحقوق من حيث الانكباب على ادعاءات الفرد أو الجماعات بخصوص التعذيب أو المعاملة القاسية واتخاذ كل الإجراءات الضرورية القانونية لإنصافه والانتصاف له في حالة التأكد من تعرضه للتعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
وأبرزت أن المغرب اليوم يوجد في مرحلة جديدة في تدعيم المناهضة من التعذيب والوقاية منه؛ وذلك بإحداث الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب، مذكرة بتوصيات المجلس في مذكرته الأخيرة لتعديل القانون الجنائي المعروض حاليا على مجلس النواب عبر محموعة من المحاور منها على الخصوص توسيع نطاق جريمة التعذيب لتشمل إلى جانب التعذيب سوء المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والنص على مسؤولية الرؤساء عن الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوهم انسجاما مع مقتضيات معاهدة مناهضة التعذيب والمعايير الدولية لذلك التجريم(المادة 2/3 من المعاهدة، وتبني عدم تقادم جريمة التعذيب .
يشار الى أن الدليل الاسترشادي الذي يقع في 146 صفحة من الحجم المتوسط ينقسم إلى خمسة محاور، الأول تمهيدي يتضمن أوجه الإلزام الوطني بحظر التعذيب؛ والثاني حول الإطار القانوني لجريمة التعذيب، والثالث حول دور النيابة العامة في الوقاية من التعذيب والرابع حول دور النيابة العامة في التصدي للتعذيب، والخامس حول إنصاف وتعويض ضحايا التعذيب.
