إقتصاد

“ديترويت” الأمريكية تراهن على سيارات المستقبل

يرمز مجمع “مركز النهضة”، أو “رين سان” كما يحلو لساكنة ديترويت تسميته، إلى العظمة الأمريكية ويجسد في الوقت ذاته طموحات انبعاث كبرى حواضر ولاية ميشيغان، التي تشكل العاصمة التاريخية للصناعة الأمريكية وتراهن اليوم وبقوة على سيارات المستقبل.
وينتمي المجمع، الذي يضم سبع ناطحات سحاب عملاقة ويعد بمثابة مدينة داخل الحاضرة الأمريكية الواقعة على الحدود مع كندا، التي يفصلها عنه نفق “ديترويت وندسور”، إلى شركة “جنرال موتورز” العملاقة للسيارات التي تخصص أحد الأبراج لمقرها الاجتماعي الضخم.
وتشكل “جنرال موتورز” إلى جانب “فورد” و”كرايسلر”، الشركات الكبرى الثلاث التي تصنع مجد المدينة وصناعة السيارات الأمريكية.
ولطالما عاشت حاضرة ديترويت على إيقاع هذه الصناعة التي مرت بسنوات جيدة قبل أن تظهر مؤشرات تباطؤ تحت تأثير المنافسة الأجنبية المحتدمة وانعكاسات الأزمة المالية، على الخصوص.
ويمكن القول إن ديترويت تحيل على سنوات مجد هذه الصناعة وكذا على سنوات أفولها التي أدت إلى وضع المدينة تحت حماية نظم الإفلاس، قبل أن تنهض من جديد من خلال المراهنة على السيارات الكهربائية وذاتية القيادة.
فمنذ أزيد من قرن من الزمن، ساهم الازدهار الكبير لصناعة السيارات في بروز الطبقة الوسطى وفي وضع هذه المدينة، الواقعة في وسط الغرب الأمريكي، في قلب العالم الصناعي الحديث. فالحاضرة الأمريكية كانت وراء خلق نموذج الإنتاج الضخم الذي اعتمدته صناعات أخرى.
وكان هنري فورد أول من استخدم سلسلة التجميع في مجال صناعة السيارات، حيث حقق مكاسب كبيرة سواء من حيث السرعة والاتساق في عمليات التجميع أو من حيث التكاليف.
وبعد عقود متتالية من النمو، أصبحت شركات صناعة السيارات تحرص على إرضاء الزبناء، وتوالت قراراتها السيئة واستمر تشبثها بنماذج تكنولوجية وتجارية باتت أقل تنافسية أمام أذواق ومتطلبات المستهلكين، وسط منافسة أجنبية شرسة أكثر فأكثر.
وفي سنة 2009، أعلنت “جنرال موتورز” و”كرايسلر، إفلاسهما، في حين كانت فورد تغرق في الديون، وهو وضع أثر على الآلاف من الوظائف في ديترويت وعلى مالية المدينة.
وأمام هذه الأزمة التي عجلت بإغلاق العديد من المصانع ورحيل عدد كبير من ساكنة المدينة بحثا عن فرص أفضل في أماكن أخرى، بادرت المؤسسات المحلية إلى إنقاذ الوضع.
وقامت شركات صناعة السيارات الثلاث باستثمارات جديدة، حيث اتفقت النقابات ومسؤولو المدينة على تقديم تضحيات على مستوى الأجور، لتغيير المنحى.
وقد سمحت هذه الدينامية لـ”مدينة المحركات” بالوصول إلى نهاية النفق أسرع مما كان متوقعا، وذلك بفضل التغيير الجديد في صناعة السيارات التي أصبحت أكثر تركيزا اليوم على الابتكار والتكنولوجيا.
وتقول كريستين دزيتشيك، المسؤولة بأحد المراكز الأمريكية للبحوث الآلية، “بعد عشر سنوات من الأزمة وإفلاس جنرال موتورز وكرايسلر، تحسنت مبيعات قطاع السيارات”، محذرة، مع ذلك، من أن إدخال “تغييرات على النماذج التكنولوجية والتجارية يكتسي أهمية بالغة في صناعة تعيش على مراحل، حيث يتعين أن ينصب التركيز على تحسين الاقتصاد في استهلاك الوقود، وتقليل انبعاثات الكربون وعدم الاكتفاء بأتمتة السيارات، بل المصانع أيضا”.
وأمام هذا الواقع الجديد، استحوذت ميشيغان على 25 في المائة من إجمالي استثمارات شركات تصنيع السيارات في أمريكا الشمالية منذ سنة 2009، كما زاد عدد الوظائف في قطاع تصنيع السيارات بنسبة 7 في المائة بين سنتي 2014 و2018.
ويتجسد هذا التحول من خلال معرض ديترويت للسيارات، الذي ينظم على مدى أسبوعين، والذي تم تغيير موعده من شهر يناير إلى يونيو اعتبارا من السنة المقبلة، ليحتل حيزا هاما ضمن أجندة فاعلي القطاع، حيث يشكل واجهة لعرض مفاهيم جديدة للسيارات وأحدث التقنيات المتعلقة بالنظام الإيكولوجي للتنقل.
وقد وفر المعرض، الذي يستقطب أزيد من 800 ألف زائر سنويا، عائدات بقيمة 450 مليون دولار للمدينة خلال سنة 2018، بزيادة قدرها 30 مليون دولار مقارنة بسنة 2017.
ويرى المحللون أن شركات صناعة السيارات، سواء بالسوق الأمريكية أو بغيرها، مطالبة بإيجاد توازن بين مبيعات السيارات التقليدية والجيل المقبل من السيارات، ما دام الأمر يتعلق بصناعة متغيرة باستمرار، تفرض استثمار الأرباح في التكنولوجيات الجديدة وفي سيارات المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *