لم يبق ل”الزعيم” سوى البكاء، ليس من العيب في شيء ان يبكي الرجال شرط ان يكون البكاء صادقا ومعبرا عما يختلج في النفس من مشاعر الحزن والاسى تجاه مواقف صعبة ووقائع مؤلمة. اما ان يذرف رجل من طينة عبد الالاه الذي خبر الحياة الدنيا حلوها ومرها، وتحمل مسؤوليات جسام ذات صلة بالدنيا والآخرة، في كل مناسبة، واحيانا بدون مبرر واضح ومقنع، فهو امر يدعو للاستغراب والنشكيك في صدق الباكي ومقاصده الحقيقية، وقد يدعو الأمر إلى الشفقة إن كانت دموع الزعيم، الذي كان حتى الأمس القريب يفخر بشراسته وقوة
شكيمته، صادقة.
ذرف الدموع صار سلوكا متكررا لدى الزعيم الذي زعم يوما ان الله بعثه لمقارعة العفاريت والتماسيح، فلما تاكد له انه لا وجود لهذه الكائنات لا في قبة البرلمان ولا في ارض المغرب الواسعة، اختار عن دون وعي ان يثبت للراي العام ولمريديه وجود تمساح واحد على الأقل يحسن ذرف دمع مخادع. لو بكى كل السياسيين جراء فشلهم في تمرير موقف سياسي او في استحقاق انتخابي او في مواجهة الخصوم ازاء قضية ما، لتحول المشهد السياسي المغربي الى”مندبة” لا تنتهي.
لا اشك شخصيا في صلابة الرجل وفي نزعته العدوانية تجاه من يخالفه الرأي والموقف، ولذلك يحق لي ان اشك في دواعي استدماعه اعتمادا على عدة قرائن:
اولها ان الرجل يتعمد الاستدماع امام الملا استدرارا لعطف الناس، ولا يفعل ذلك الا بعد اعداد منديل ناعم لمسح دموع تستعصي على الانذراف. ومن اعز لحظات التباكي عنده ان يكون في حضرة شباب الحزب، علما منه ان هذه الفئة من المريدين هي الأكثر قابلية للخطاب العاطفي، بحكم خصائصها النفسية/الاجتماعية، ونزوعاتها المثالية، وتعلقها بالزعيم المثال الذي تتماهى به الى حد القداسة،خاصة اذا كان للزعيم كارزمية مركبة يجتمع فيها السياسي بالدعوي والمنفعة بالعقيدة.
ثانيها، ان الزعيم النواح لا ينسى، وهو يقطر دمعه دون سخاء، التهجم على غيره افرادا ومؤسسات، وتوزيع التهم وكل اصناف الرذيلة على غيره، دون سند ولا حجة؛ وفي ذلك مفارقة نفسية/سلوكية غريبة لا نصادفها سوى عند الفصاميين الذين يعانون مما يصطلح عليه في علم النفس المرضي بالتشكل الضدي، وهو مرض تبدو اعراضه واضحة في السلوك السياسي كما في الحياة الشخصية للرجل. من بين الأعراض البينة الواضحة انه طالما بشر المغاربة بالاصلاح ولم تزد احوالهم في عهده سوى سوءا جراء قرارات جائرة انهكت القدرة الشرائية للفئات الفقيرة والمتوسطة، ومنها انه تحدث طويلا وبلا كلل عن نظافة ذات اليد والزهد في الحياة ولم يتردد في القبول بكل العطايا، وكم دافع عن الديمقراطية لكنه لم يسمح ابدا بان يخالفه امرؤ في راي، سواء داخل حزبه او من خارجه؛ وويل لمن تجرا على ذلك فيكون نصيبه التخوبن والرمي بالفساد والانتهازية وكل ما يحفل به قاموس الزعيم الهجاء من الفاظ التعيير. ومن
اعراض الفصام انه يعيش في بحبوحة وينكر نعمة الله عليه، واقر الفرنسية والانجليزية في مدارسه الخاصة وبهما تعلم وعلم ابناءه واستل حرابه الصدئة للدفاع عن جعل العربية لغة ندريس الموادالعلمية لابناء البسطاء. وقد لجا في ذلك الى مغالطات كثبرة والى الخلط بين البيداغوجيا والدين والسياسة كما يفعل دوما قصد دغدغة العواطف وتعطيل التفكير العقلاني في مقاربة اية قضية.
ثالثة القرائن ان الرجل يختار بنجاح توقيث الاستدماع ومكانه وصيغته كما لو ان الامر يتعلق بمشهد سينمائي ابدعه مخرج بارع في مخادعة المشاهد. دموعه مثل قهقهاته، عند الانتشاء، يفوح منهاالتصنع الى حد النفاق.
ويطرح السؤال: لم كل هذا النواح؟
في الظاهر، واستنادا لخرجات الزعيم، اللغة العربية في خطر، وبالتالي فالاسلام مهدد، والهوية المغربية معرضة للاندثار ، وفق مخطط استعماري خبيث باركته مع الاسف الشديد كل الاحزاب بما فيها البجيدي الذي خان بنكيران وتراجع عن المبادئ المؤسسة الخ… هكذت تحدث بنكيران عما جرى في ذاك “اليوم المشؤوم” حين اجازت لجنة التربية والتعليم بمجلس النواب القانون الاطار الخاص بالتربية والتكوين.
والحقيقة ان في حنجرة الرجل غصة لم تذبها الايام وحقد دفين على حكومة كان يمني النفس بان يستمر على راسها حتى يكمل مخططه المزدوج المتمثل في التحكم في مفاصل الدولة والاجهاز على مكاسب الشعب المغربي في التنمية العادلة والديمقراطية المتشبعةبقيم الحرية. حجتنا في هذا التاويل ان الرجل حريص، كلما بكى، على التذكير بفضائله على المغر ب وملكه وشعبه،فهو الذي انقد الوطن من حالة الاضطراب،وهو من دافع عن الملكية،ولولاه لما كان البجيدي، وربما ما كان المغرب ولا كان الاسلام…. ولا كانت الدنيا حتى… حين يطلق العنان لأناه تتحدث، ويغيب عنه مبدأ الواقع وحقائق التاريخ، يتقمص حديث الانبياء ولغة الأولياء، ويستعير لغة المرشد الأعلى ومنقد العالم من الضلال…. وما هو بمرشد ولا ولي ولا هم يحزنون…. انما هو قائد سياسي بامتياز، وامين عام لحزب سياسي محترم، ورئيس حكومة سابق فعل بالمغاربة ما فعل…. ومواطن مغربي له راي وموقف واسهامات لا ينبغي انكارها، وكل ماعدا ذلك اختلاق وزعم وادعاء.
شيء واحد يبرع فيه الرجل دون سواه من قادة الاحزاب وصناع القرار هو تحديدا اختلاق الخلاف وتحويله الى نزاع واتقان المظلومية حتى وان كان معتديا وظالما. هذه المرة حول الاختلاف في الراي حول موضوع محدد وجزئي يخص لغة تدريس المواد العلمية الى نزاع حول الهوية الثقافية والامن الروحي للامة،فرمى المخالفين لرايه بالخيانة والتبعية والجبن. من سمع الرجل يتحدث في الموضوع دون علم بالموضوع يحسب ان العربية لم يبق لها وجود في المدرسة المغربيةوبالجامعة، وان التربية الاسلامية والدراسات الاسلامية لم يعد لها موطأ قدم في مقرراتنا، وان مؤسسات التعليم الاصيل والمدارس العتيقة وجامعة القرويين وكليات علوم الدين والدراسات الاسلامية وشعب اللغة العربية بكليات الآداب جميعها قد دمرها الكفار والملحدون والزنادقة القادمون من بلادالنصارى وديار الكفر، والذين تلبسوا بلباس احزاب مغربية منافقة.
من حق الرجل ان يصفي حساباته مع من افسدوا عليه حساباته، ومع من انحرفوا عن صراطه المستقيم، مع الاتحاد الاشتراكي والاحرار والجرار والسنبلة، ومن حقه ان ينغص حياة خليفته الذي لم يسر على هديه، لكن لا يحق له ان يستغفل الشعب قاطبة. تدريس العربية كما تدريس الفرنسية بمدارسنا وجامعاتنا ليست بخير، وتلك معضلة من معضلات نموذج تعليمي متقادم وركيك يعيش ازمة بنيوية استعصى حلها بالرغم من كل محاولات الاصلاح، مثلما استعصت كل مشاريع اصلاح الادارة والقضاء واصلاح المشهد السياسي، لاعتبارات تاريخية وثقافية وسياسية متعددة ومتداخلة. في السبعينات كانت حصة العربية في المناهج التعليمية اقل مما هي عليه الآن وكانت الكفايات اللغوية للتلاميذ وطلبة اللغةالعربية وآدابها بالجامعة افضل بكثير مما اصبحت عليه بعد التعريب،فتخرج منهاكبار الشعراء ونوابغ المسرح والرواية والبلاغة وغيرها من اجناس الادب، بل ان خريجي كلية العلوم آنذاك كانت لهم دراية قوية بالعربية وآدابها. ثم ما معنى ان تدرس العلوم بالعربية حتى الباكلوريا وبالفرنسية في الجامعة والمعاهد العليا: انه العبث بعينيه. فرحمة بطلابنا ايها الزعيم. قد اتفهم موقفك واتعاطف معه لو انك فكرت في تعريب التعليم العالي وعملت من اجل ذلك لما كنت على راس الحكومة ومهندسها الاول…
اخيرا وليس اخيرا، كلنا مسلمون، وكلنا ندود على العربية فكرا وثقافة ولغة، ومع ذلك لا نحب الخلط بين الدين الذي هوعقيدة وايمان بما انزل الله الى عباده المومنين بوحدانيته وجلاله، وبين اللغة التي هي موضوع متغير ينمو ويتطور عبر الزمن، وبالتالي فهي غير مقدسة. اغلب المسلمين في العالم، في اندونيسيا وماليزيا ونيجيريا وتركيا وايران وغيرها من دول آسيا الوسطى وافريقيا يتحدثون لغات غير العربية. وفي المغرب نفسه، اعتنق المغاربة الامازيغ الاسلام عن طواعية وما زال كثير منهم لا يعرف العربية. فلا تخلط رحمك الله بين العقيدة واللغة. شيء آخر لا بد من الاشارة اليه موجزه ان اللغة العربية الفصحى ليست في الاغلب الاعم لغة الام في بلدنا، ومن يدعي ذلك فهو جاهل بالخريطة اللسنية لمغرب التنوع، حيث الامازيغية واللسان المغربي الدارج هما لغة الام.
