مغاربة العالم

بهيجة جلال..كفاح لجعل السرطان مجرد مرض مزمن

باعتباره السبب الثاني للوفاة في جميع أنحاء العالم، يعد السرطان بمثابة عبء حقيقي على المجتمع، لذلك لا أحد محصن ضده. بالنسبة للدكتورة بهيجة جلال، اسم معروف في مجال الطب الحيوي الأمريكي المتقدم، فإن التصدي للسرطان، “آفة القرن”، أصبح مهمة حياتها الرئيسية، حيث أن شركة التكنولوجيا الحيوية التي تديرها حققت طفرة في علم الأورام لا سيما بعد الموافقة على استعمال أدواتها القائمة على العلاج المناعي لسرطان العين في أفق التصدي مستقبلا للأورام الخطيرة الأخرى.

“بدأ شغفي بالعلوم في سن مبكرة. وأنا أحاول كل يوم، مع فريقي، توظيف العلوم لمساعدة أكبر عدد ممكن من المرضى”، تؤكد بهيجة، الباحثة التي تتمتع بمسار مهني غني، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء ، مضيفة أنها كانت، لمدة فاقت الثلاث سنوات، تترأس إحدى الشركات الرائدة في مجال التكنولوجيا الحيوية البريطانية المدرجة، اليوم، في بورصة “وول ستريت” بقيمة تقدر بمئات الملايين من الدولارات.

“يمكن أن تكون الأوقات العصيبة فرصة جيدة إذا أحسنا استغلالها”، تشدد هذه المواطنة المغربية التي رأت النور بالدار البيضاء سنة 1961، والتي، تولد شغفها بالعلم بعد وفاة والدها، الذي قالت عن وفاته “نعتقد أنه كان خطأ طبيا”.

منذ تلك اللحظة، أصبحت بهيجة، ذات التسع سنوات آنذاك، “أكثر فضولا بكل ما يتعلق بالعلوم”.

وقالت بهيجة، وهي أم لابنتين من زوج يقتسم معها ميدان العلوم، “كنت أحاول أن أفهم. بعد ذلك، أردت مساعدة أكبر عدد ممكن من المرضى. غير أني اكتشفت عالم البحث العلمي للمرة الأولى في العاصمة الفرنسية باريس، ومثل الجميع تقريبا، هناك أيضا أشخاص مصابون بالسرطان في عائلتي، مما دفعني أكثر لمواصلة تقديم المساعدة لأكبر عدد ممكن من الأشخاص”.

وبعد حصولها على شهادة البكالوريا من ثانوية شوقي بالدار البيضاء ودراسة سنتين في إحدى الجامعات بالرباط، تابعت بهيجة مسيرتها الجامعية في فرنسا، لتتوج مسارا حافلا في مجال الأبحاث البيولوجية في جامعة باريس 6، حيث حظيت بدعم وتحفيز، كما هو الحال بالنسبة لبقية إخوانها وأخواتها، من أم التي على الرغم من أنها لم تلج أبواب المدرسة يوما، إلا أنها مقتنعة تماما بحتمية المضي قدما في تعليم الأولاد ودعم أحلامهم.

بعد فرنسا، توجهت بهيجة إلى ألمانيا لتنضم إلى معهد “ماكس بلانك” للكيمياء الحيوية في ميونيخ. وهو المكان الذي بدأت فيه التخصص في علاجات سرطان الثدي.

وفي ولاية كاليفورنيا تبدأ المغامرة الأمريكية بالطموح المستمر في الابتكار في مجال الكنولوجيات الحيوية “لإنتاج الأدوية ومساعدة الناس”.

وقد تدرجت الباحثة المغربية ، الذكية والشغوفة والمجدة في عملها، سلالم النجاح من خلال العمل داخل العديد من شركات الأبحاث الدوائية، بما في ذلك مختبر “ميد إمين”، التابع لمجموعة “أسترازينيكا”، حيث قضت 13 عاما، توجت بمنصب رئيسة الشركة.

وأضافت أن اشتغالها في هذا المختبر مكنها من أن تكون واحدة من الباحثين الذين أحدثوا طفرة كبيرة في علاج السرطان عبر “العلاج المناعي”، معربة عن سعادتها بهذه العلاجات التي يمكن أن تساعد كثيرا مرضى السرطان.

وقالت “إننا نشهد حقبة جديدة حيث يمكن أن يصبح السرطان مرضا مزمنا وليس مرضا قاتلا”، مشيرة إلى أن هذا العلاج المزدهر في عالم الأورام لا يستهدف الخلايا السرطانية بشكل مباشر، بل يستهدف مناعة المريض من خلال تمكينه من استعادة مناعة فعالة تقاوم الأورام.

وبعد أن نجحت مع فريقها في “ميد إمين” في تطوير العديد من الأدوية المتاحة في السوق في الوقت الراهن، انخرطت مع “إيمينوكور” في عام 2019 للاستفادة أكثر من تكنولوجيا الشركة في العلاج المناعي.

وفي هذا السياق، عبرت عن حماسها وسعادتها “بتطوير علاج للورم الميلاني بالعين، وهو تتويج لأكثر من 40 سنة من البحث في هذا المجال”، معربة، في الوقت ذاته، عن فخرها بموافقة هيئة تنظيم الأدوية الأمريكية على تسويق هذا العلاج الأول، والذي تلاه علاج الاتحاد الأوروبي، في انتظار اتفاقية بريطانيا وكندا التي توجد قيد التنفيذ.

وقالت إن هذه التكنولوجيا، التي تتصدى للأورام بطريقة لا تستطيع الأجسام المضادة القيام بها، تكتسي أهمية بالغة، لاسيما أن العلاج الكيميائي والموجة الأولى من العلاج المناعي لم يثبتا فعاليتهما.

وحظيت الباحثة المغربية بدعوة من جو بايدن، نائب الرئيس في عهد إدارة أوباما، لحضور إطلاق برنامج لتحسين الكشف عن السرطان والوقاية منه. وأعلن بايدن، الذي توفي ابنه بسبب السرطان في عام 2015، عن خطة جديدة لخفض معدل الوفيات الناجمة عن السرطان بنسبة 50 في المائة على الأقل على مدى السنوات الـ 25 المقبلة.

وتعد الدكتورة بهيجة جلال، الرائدة في صناعة الطب الحيوي، عضوة في مجلس إدارة جامعة جونز هوبكنز الأمريكية المرموقة، لكنها قبل كل شيء هي صوت قوي يدافع عن التنوع وإدماج المرأة وتشجيع الفتيات لدخول ميدان العلوم.

وقالت إن “التنوع مهم للابتكار”، حيث تترأس شركة التكنولوجيا الحيوية وتسهر داخلها على ضمان تمثيلية جيدة للمرأة في كل من الفرق العلمية وفي مجلس الإدارة.

وعن علاقتها ببلدها الأصلي، قالت الدكتورة جلال إن “علاقة وثيقة تربطني بالمغرب، الذي غادرته بعد البكالوريا ولكن يظل موطن عائلتي بأكملها. أنا أتابع ما يجري هناك”.

وأضافت “أحب المغرب وأنا فخورة للغاية بالتدبير الجيد لوباء كوفيد”، مؤكدة، في هذا السياق، استعدادها التام لتعزيز “التعاون ومساعدة الباحثين الشباب ورد الجميل للبلد الذي مهد لي الطريق “.

مقترحة :