ثقافة وفن

أبو عبد الله الصغير.. حكاية ملك مشؤوم

في قلب مدينة فاس، يقع قبر محمد بن علي بن الأحمر، المعروف عند المؤرخين المغاربة بـ”بالزغبي”، أي المشؤوم،
وعند الإسبان بالصغير، الذي حكم غرناطة في الفترة ما بين 1486 إلى 1492، وهي سنة سقوط غرناطة، وكان هو من وقَّع معاهدة تسليم عاصمة الأندلس بعد حوالي سنة كاملة من الحصار.
وفي عائلة تعمها المكائد،والصراع على الحكم، كان لوالده أبو الحسن زوجة ولدت مسيحية، قبل أن تعلن إسلامها وهي بعمر الثانية عشرة (عادت للمسيحية بعد سقوط غرناطة)، انجبت لوالده عدد من الأولاد، وأرادت أن تستأثر لأحدهم بولاية العهد من بعد أبيه، فدارت صراعات بينها وبين الأميرة عائشة أم أبي عبدالله، والتي نجحت بمعاونة عدد من رجال الدولة، بالانقلاب على أبي الحسن، ووضع ولدها أبي عبدالله الصغير على العرش، وكان ذلك في عام 1482. وهكذا فإنَّ أبي عبدالله الصغير كان قد استلم، منذ البداية، إمارة مشتتة، ومقطعة الأوصال، ومهزوزة الأركان.
حاول الصغير غزو قشتالة عاصمة فرديناند فهُزم وأسر فى لوسينا عام 1483، ولم يفك أسره حتى وافق على أن تصبح مملكة غرناطة تابعة لفرديناند وإيزابيلا ملوك قشتالة وأراجون، الأعوام التالية قضاها فى الاقتتال مع أبيه وعمه عبد الله الزغل.
فى عام 1489 استدعاه فرديناند وإيزابيلا لتسليم غرناطة، ولدى رفضه أقاما حصارا على المدينة. وأخيراً فى 2 يناير 1492 استسلمت المدينة.
وكان من شروط الاستسلام أن يأمن الغرناطيون على أنفسهم وأموالهم ودينهم كمدخرين، ولكن ما أن استقر لهم الحكم بعد مرور 9 سنوات على سقوط غرناطة نكث فرديناند بالعهد وخير المسلمين إما اعتناق المسيحية وإما مغادرة أسبانيا، وكانت تلك هى نهاية الأندلس.

استمرت هذه المعارك بين الجانبين طويلاً، وقام أبو عبدالله بطلب المعونة والامدادات من الولايات الاسلامية في إفريقيا، التي لم تتجاوب معه، بسبب انشغالها في معاركها الخاصة، إلى أن وقعت غرناطة تحت الحصار، عندما أطبق عليها الإسبان براً وبحراً، وقطعوا مضيق جبل طارق، فقطعت غرناطة كل أمل في الإمدادات أو المعونة.

وقد خشي أبو عبدالله الصغير أن يكون مصير غرناطة كمصير مالقة، لذلك اضطر أن يصالح الجيش مقابل حماية حقوق المسلمين وحرية شعائرهم وتنقلهم، وحقوق الأسرة المالكة. غير أنه لم تمر سنتان أو ثلاثٌ حتى انقلبت الملكة الكاثوليكية على المعاهدة، وقامت بتهجير أبي عبدالله الصغير إلى بعض القرى، ثم إلى المغرب. قبل أن تقوم بفرض التنصير على المسلمين وإلغاء اللغة العربية، وهو ما عُرف حينها بمحاكم التفتيش.

لم يكن تسليم مفاتيح غرناطة سهلاً على أميرها وأهلها، فقد تعالت أصوات البكاء والعويل، عند استلامها من قبل الملكين الكاثوليكيين.

حينما عاد أبو عبدالله الصغير إلى المغرب استقر بفاس، وكان بيته معروفاً بباب الماكينة، وقيل إنه اعتُقل في القلعة الموجودة قبالة باب الماكينة، إلى أن توفي ودفن في المصلى القريب من “باب الساكمة” الآن، وهو الذي ينطلق منه حي المصلى.

و الأندلس لم تنتهِ بسقوط غرناطة،بل قالوا المؤرخين أنها انتهت قبل ذلك بوقت طويل، لكن كان قدر آخر ملوكها أبي عبدالله الصغير، أن يستسلم لقوة عسكرية مسيحية، لا يستهان بها، رافضة لكل ما هو غير مسيحي، فأصبح في نظر التاريخ خائناً ملعوناً.

مقترحة :