خصصت مجلة علم وحياة، في عددها الخاص بشهر دجنبر2019، ملفا مطولا وهاما لأنواع الإدمان في شكل أسئلة وإجابات،اخترنا لكم منها أربعا.
يتعلق الأمر بالكحول وتأثيره على الحيوانات، استعمال العقاقير المخدرة في مجال الطب، الإفراط في الطعام كشكل من أشكال الإدمان وأخيرا الرياضة والإدمان عليها.
ما هو تأثير الكحول على الحيوانات ؟
لا تخضِع قطك أو كلبك للتجربة : الإيثانول مادة سامة بالنسبة لمعظم الحيوانات. لكن، هناك استثناءات لهذه القاعدة. أنواع عديدة من الحيوانات تتكيف مع الكحول، ومثاله ذبابة الخل، التي تختار أحيانا أن تضع بيضها في فواكه مخمرة تحتوي على كحول. في الحقيقة، اليرقات لا تستفيد أي شيء من هذه البيئة ( بل قليل منها يتفتق بعد هذه العملية)، لكنها تجنب نفسَها هجمات الدبابير شبه الطفيلية، التي تحب أن تضع بيضها مباشرة على هذه اليرقات- إلا أنها تكره الكحول.
الأعجب من هذا أن نوعا صغيرا من الثدييات، من الجنوب الشرقي للقارة الأسيوية، يعيش في الأشجار، وهو فأر الحقول، يتغذى على نسغ نخلة تحتوي على نسبة 3.8 في المائة من الكحول. بل قد تبلغ نسبة الكحول في دمه ما يعادل نسبة الكحول التي تتركها تسعة أقداح من الخمر في دم الإنسان، دون أن تظهر عليه علامة سكر !
أخيرا، أنواع من الخفافيش تتغذى أيضا على فواكه مخمرة، ومع ذلك تتمكن من الطيران بشكل مستقيم رغم نسبة الكحول الهامة.
هل تستعمل الحبوب المهلوسة في التطبيب؟
نعم. تعود هذه المواد من جديد إلى الواجهة في مجال الطب بعد فترة من الغياب. وهكذا، منذ سنة 2011 تفام ندوة كل عامين بلندن، ترتفع فيها أصوات بعض العلماء معددين مزايا بعض أنواع المخدرات. هذا الحدث المخصص لتقدم البحوث في مجال التداوي بالعقاقير المخدرة ،يؤكد الأهمية التي بدأت تكتسيها الاقراص المهلوسة.
هذا الأمر ليس بالجديد، إذْ قبل منعها في أغلب دول العالم انطلاقا من سنة 1960، فإن حمض اللسيرجيك كان يحظى باهتمام المعالجين الأمريكيين. بفضل جرعات قوية منه، يتمكنون من تخفيف وطأة بعض الاختلالات العقلية وبعض حالات الإدمان.
يروي فتورينو بيانكاردي، مؤرخ بمدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية، أن هذا النوع من العلاج يساعد المرضى على الوصول بسهولة إلى لاشعورهم، الشيء الذي يمَكن من معالجة صدماتهم النفسية. بل يحدث أن يتعاطى بعض الأطباء النفسانيين لهذه الأقراص ليضعوا أنفسهم في مكان المرضى ! بعد انسلاخ خمسين سنة، لم يعد الحديث عن هذه المواد من التابوهات وأجريت أبحاث جديدة بمزيد من الدقة.
الصحة النفسية
عندما يتناول المرضى جرعة محددة من العقاقير المهلوسة، تتم متابعة حالاتهم من طرف أطباء عدة لتفادي مخاطر الهلوسة. النتائج الأولية مطمئنة. أثبتت دراسة نرويجية أجريت سنة 2012 أن تناول جرعة واحدة من الليسرجيك تمكن بعد ستة أشهر من تراجع الاستعمال السيئ للكحول إلى النصف، لدى المرضى الذين يتناولونه بشكل يهدد صحتهم. سنة 2014، أكدت دراسة سويسرية أخرى نجاعة الجزيئة بالنسبة لأشخاص يعانون من مرض مزمن، إذ تقلل لديهم من القلق الممزوج بالخوف من موت وشيك. سنة 2016، أظهرت دراسة انجليزية الأثر التهييجي لحمض الليسرجيك على الخلايا العصبية المحتوية على السيروتونين أ2، الشيء الذي يحسن من الصحة النفسية للمرضى ويزيد من نسبة التفاؤل لديهم.
تبقى الدراسات حول العلاج من الإدمان قليلة، ونحتاج إلى وقت للوقوف على مدى نجاعة الأقراص المهلوسة في مجال الطب النفسي. لكن الأبحاث جارية برعاية مؤسسات أمريكية (مثل جمعية الدراسات حول الإدمان متعددة الاختصاصات)، وتهتم أحيانا بمواد أخرى، على غرار مادة الميثيلين ديوكسي ميثامفيتامين، وهي في الطريق لتصبح، في الولايات المتحدة، دواء ضد الإرهاق الذي يعقُب الصدمة النفسية.
هل يمكن أن تكون التغذية مصدرا للإدمان ؟
يشير آلان ديرفو، اخصائي في الإدمان بالمركز الاستشفائي الجامعي لمدينة آميان، إلى أن التصنيفات الطبية لا تعتبر إلى الآن أن التغذية كذلك، لكن المسألة تخضع لنقاش حاد. للتذكير، فإن الادمان على مادة معينة يطابق الاستهلاك المفرط لهذه المادة؛ وهذا الاستهلاك ينتج عنه في البداية إحساس بالراحة، مع عدم القدر ة على التحكم في الاستهلاك، رغم العلم بنتائجه السلبية (مخاطر على الصحة، الخ.). يشير بول برينو، اخصائي في الادمان، مع زملائه في المركز الاستشفائي الجامعي لمدينة تور، في مقال صدر نهاية 2018، إلى أن بعض المواد الغذائية -خصوصا تلك الغنية بالسكريات والدهنيات والأملاح – تستجيب للمعايير التالية: الالتذاذ بتناولها، عدم القدر ة على التحكم في الكميات رغم خطر الكوليسترول، السمنة، الخ. من هنا جاءت فكر ة أن بعض الأشخاص الذين يصعب عليهم التحكم في استهلاكهم الغذائي، قد يعَدون من المدمنين..
في السنوات القليلة الماضية، أكدت مجموعة من الأبحاث هذا المعطى، الذي من شأنه أن يساعد على فهم مشكل السمنة الناجمة عن الخلل في التغذية وكذا على علاجها بشكل أفضل. أظهرت بعض الصور الإشعاعية للدماغ تقاربا بين التغيرات الدماغية المرتبطة بالافراط في الاستهلاك، وتلك المتعلقة بالإدمان.
نقص نشاط قشرة الدماغ
أنجزت باحثة أمريكية تدعى آشلي جيرهارت دراسة على 48 امرأة « مدمنة »، بهذه الدرجة أو تلك، على شرب الحليب بالشكولاتة، فلاحظت أن أكثرهن إعتيادا عليه لديهن زيادة في النشاط على مستوى أنظمة المكافأة العصبية (قشرة الدماغ الحزامية المدارية واللوزية) ونقص في النشاط على مستوى قشر ة الفص الجبهي، المسؤولة عن كبح السلوكات، تماما كما هو الشأن بالنسبة للمدمنين.
يرى الطبيب النفساني البريطاني بول فليتشر، الذي نشر مقالا نهاية 2018 ، يسلط فيه الضوء على هذا الموضوع، أن هذه الدراسات غير كافية لتصنيف التغذية الزائدة ضمن مجال الإدمان لأنه لحدود الساعة لم يتم اكتشاف مركب إدماني خاص بالتغذية كالنيكوتين مثلا بالنسبة للتبغ.
من جانب آخر، فإن دراسات بيولوجيا الأعصاب، التي تظهر التقارب الدماغي بين الإدمان والتغذية الزائدة، تحتاج إلى إثباتات. باختصار، للفصل في الموضوع، لا بد من القيام بدراسات أخرى.
هل يمكن أن تصبح ممارسة الرياضة إدمانا ؟
كما هو الشأن بالنسبة للتغذية، فإن الإدمان على الرياضة غير معتمد رسميا في التصنيفات العالمية الخاصة بالطب النفسي. الا أن له آثارا سلبية شبيهة بتلك الخاصة بأنواع الإدمان المعترف بها . تؤكد الباحثة هيثر هاوسنبلاس وزملاؤها بجامعة جاكسون بفلوريدا، في مقال صدر سنة 2017، أن الرياضة، بجرعات قوية (تختلف من شخص لآخر) قد تؤدي إلى فقدان التحكم في النفس (بحيث يصبح التمرين واجبا) وإلى عجز عن التوقف أو تقليل الحصص حتى في حال وجود نتائج سلبية ( الإصابة بجروح…)، تماما كماهو الحال بالنسب للمخدرات. هذا الإدمان على الرياضة يخص 0.5 في المائة من مجمل الساكنة، و 2 إلى 3 في المائة من الرياضيين؛ هذه النسية قد نسب تصل إلى 25 في المائة لدى العدائين، و30 بالمائة لدى ممارسي السباق الثلاثي. وقد أبدت ماري غرال برونيك، طبيبة نفسانية في المركز الاستشفائي الجامعي لنانت، حسرتها من كون الإدمان على الرياضة غير مدروس بشكل كاف مقارنة بالإدمان على التغذية (السكريات مثلا) بدعوى أن الرياضة تعتبر على العموم مفيدة للصحة ويصعب تصور جانب الضر ر فيها.
ترجمة محمد عالي الحيرش