ثقافة وفن

الجوهري: كل سنة وأنصار فيلم “جوكر” أكثر صراخا وانتصارا للخواء

سباق المسافات القصيرة بدأ، ونهاية فيلم جوكر اقتربت، وغشاوة الإعلام الموجه والإشهار المنمط، بدأت تنجلي عن العيون المصابة بداء رمد الإعجاب، الإعجاب ب”الحداثة” السينمائية المفترى عليها، والتطبيل لكل ما هو قادم من أستوديوهات هوليود، حتى ولو كانت مجرد لعبة سمعية بصرية مفبركة، أو أفلام مصنوعة بكثير من البهرجة.
الجميع يتذكر جعجعة فيلم “آفاطار” وقبله أفلام جون ترافولتا، حيث كان الناس ينامون عند أبواب القاعات السينمائية، في هذا الصدد لا زلت أذكر، وأنا طفل، كيف قام أخي وقتها بحجز تذكرة فيلم “حمى مساء يوم السبت” ثلاثة أيام قبل موعد ولوج قاعة العرض.
اليوم، وفي فترة زمنية جد جد قصيرة، لا حظنا تراجع هذا الفيلم، الذي أقام البعض له ولم يقعدهم بعد، في قاعات العرض عبر العالم، وكيف تأتى بكل سهولة لفيلم “المدمر” (بطولة أنولد شوازنجر) أن يطيح به من شباك التذاكر، ويرمي به للمرتبة الثانية، رمي سيتواصل خلال الأيام القادمة، مع أفلام أخرى ولاشك، وسيجعله مجرد رقم من الأرقام التي كانت رابحة في معادلة السينما الأمريكية ذات يوم، وتحل أفلام وأفلام، وسيصفق المصفقون المتهافتون على كل ما يأتي من المعامل السحرية لهوليود الأمريكية، بينما عشرات التحف الفيلمية، تنتج سنويا في عشرات البلدان العالمية لكن قلة من ينتبه لها أو يتحدث ويكتب عنها. إنه، يا سادة، داء السينما المبهرة، والعناوين الصحفية البراقة، والإشهارات التلفزية المخدومة، والشعبوية الثقافية المكرسة، هي التي لها الكلمة الفصل، في زمن ثقافة الفاست فود، وأن أكون أمريكيا في كل شيء، أكثر من الأمريكان..
كلامي أعلاه لا يعني أنني أقلل من قيمة “جوكر” لا تقنيا ولا فنيا، فقط أريد أن أشير إلى أنه فيلم كعشرات الأفلام التي تبهر وتشد المتفرج لحظة المشاهدة، لكن ينسى بمجرد الخروج من القاعة المظلمة، والعودة للواقع مع استخدام العقل في قراءة متنه السينمائي والتخلي عن نرجسية النقد والناقد، وقبل ذلك التخلي عن الأوداج المنتفخة، أوالتظاهر بالتجاوب “الخلاق” مع كل جديد قادم من وراء البحار.
قراءة سريعة تجعلنا نفهم أن “جوكر” مجرد حلوى تشبه الحلوى التي تقدم للأطفال في الأعياد، أو اولئك المقبلين على محطة الختان، حيث تتم تلهيتهم ولفت أنظارهم عن ضربة المقص، مقص لا يرحم، وهو في حال “جوكر” مقص العم سام، الذي يبرر سينمائيا ضرباته العسكرية، ضد ما يسميه بمحور الشر، شر البلدان التي ترفض الإذعان ودخول صف الإنبطاح.
نتذكر جميعا سلسة أفلام حرب الفيتنام، وكيف جاءت وقتها لتبرير التدخل الهمجي للولايات المتحدة الأمريكية في هذا البلد، الذي كان يبحث عن الحرية واستقلالية القرار، مثلما نتذكر جميعا سلسلة رامبو وعملية تقديم الأمريكي الذي لا يقهر، وغيرها من الأفلام المؤدلجة سنوات السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، أي سنوات الحرب الأفغانية وشيطنة النظام الإيراني وبعده النظام العراقي والليبي، وقبلهما النظام الكوبي وهلما جرا من موبقات الإمبريالية الغربية، ومن يسير في ركبها من بلدان التخلف والتبعية..
“جوكر” لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يحل محل “سائق التاكسي” للمخرج الكبير مارتن سكورسيزي، الذي قدم، تقريبا، نفس القصة، لكن في قالب أكثر فنية وعمقا ونضجا، أو فيلم “طار فوق عش الوقواق” للمخرج الظاهرة ميلوش فورمان الذي حلل، انطلاقا من رواية شهيرة بنفس العنوان، واقع البشرالذي ينظر لهم من طرف مؤسسات الدولة، ككائنات مريضة تستوجب الإحتجاز لتمردهم عن الأعراف و التقاليد الرأسمالية،، وغيرهما من الأفلام التي لا تنسى.


“جوكر” نتاج هوى يهب علينا خلال السنوات الأخيرة، حيث التطبيع مع العنف، وتبرير فعل القتل، بدعوى أن الشر يجب أن يجابه بالشر، وبالتالي إعطاء صك الغفران للكيانات المتغطرسة (إسرائيل مثلا) كي تفعل في المنطقة المحيطة بها ما تريد. مثلما هو حصيلة ثقافة الإستسهال، والإنتصار للإنسان الفج المصبوغ بكل الألوان، الإنسان الغارق في مسبح الميوعة والرداءة، وهيمنة البرامج الفجة، والمسلسلات التلفزية التي أضحت تقدم سير القتلة والمعتوهين، وقليلي الحياء ومعهم جموع المهربين (آل شابو، سحليفة وعلي شويرب وأولاد الحلال نموذجا)، والناس الوضيعين، من أبطال آخر الزمان، المعتمدين على المظهر لا الجوهر،أصحاب العيون الزرق والعضلات المنفوخة والشعر المتطاير في الهواء، ومعهم الجميلات المنتصرات للمؤخرات المصنوعة والوجوه الكالحة المصبوغة..
“جوكر” يربد، بكل قلة حياء جوكرتنا، وقتل آخر ذرة إنسانية فينا، وجعلنا ننظر دون أن نرى ما يدور حولنا، وأن نبرر للقاتل فعلته، وللمغتصب اغتصابه للبلاد والعباد، وأن نبقى نحن كما نحن، مجرد كائنات استهلاكية لا تنفع ولكن تضر نفسها ومن يعيش حولها.
وكل سنة وأنصار “جوكر” أكثر صراخا وانتصار للخواء منا.

مقترحة :