المغرب الكبير

رئاسيات موريتانيا.. انتقال سلمي للسلطة لأول مرة في تاريخ البلاد

تقف موريتانيا على أعتاب مرحلة مفصلية في تاريخها الحديث، تتمثل في انتخابات رئاسية يجمع أغلب المراقبين على وصفها بالمحطة الحاسمة لفسح المجال للتناوب على الحكم، حيث ينتظر أن تمهد، ولأول مرة بهذا البلد، لانتقال سلمي للسلطة من رئيس منتهية ولايته إلى آخر منتخب.
وتنتهي الولاية الحالية للرئيس محمد ولد عبد العزيز، وهي الثانية له، بعد أن كان قد انتخب لأول مرة سنة 2009، ثم أعيد انتخابه سنة 2014، في شهر غشت المقبل، علما بأن الدستور الموريتاني يحصر عدد الولايات الرئاسية في اثنتين، تمتد كل واحدة منهما على مدى خمس سنوات.
وبعد أن تناسلت، مطلع العام الجاري، من داخل الأغلبية البرلمانية، المبادرات الداعية إلى إعادة كتابة دستور البلاد من أجل إلغاء المواد المحصنة فيه، والتي تمنع الرئيس الحالي من الترشح لولاية ثالثة، جاء الحسم من قبل ولد عبد العزيز نفسه، الذي دعا، في الـ15 من يناير الماضي، إلى وقف هذه المبادرات، مؤكدا تصميمه على احترام مقتضيات الدستور، ليفسح المجال بذلك لانتخابات رئاسية، تراهن عليها الطبقة السياسية الموريتانية وشرائح واسعة من المجتمع، للخروج بالبلاد من المراحل الانتقالية، التي عاشت على إيقاعها طيلة العقود الأربعة الماضية.
ويجمع العديد من المتتبعين للشأن السياسي الموريتاني على أن موريتانيا توجد في مفترق طرق سياسي، مؤكدين أن هذه الانتخابات الرئاسية، المقررة في جولتها الأولى بعد غد السبت، تمثل في الآن ذاته فرصة حقيقية لإرساء أولى لبنات التناوب السلمي على مستوى أعلى سلطة بالبلاد، وكذا منعطفا حاسما بالنسبة لمستقبلها يتعين على كافة القوى الحية بالبلاد التعاطي معه بقدر كبير من الرزانة، خاصة وأنها تأتي في ظل سياق وطني مطبوع بحالة غير مسبوقة من الاستقطاب والاصطفاف السياسيين، وفي سياق إقليمي غير مستقر، على خلفية ما تشهده منطقة الساحل من اضطرابات.
ويقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة نواكشوط العصرية، أحمد محمد الأمين أنداري، في هذا الصدد، إن هذه الانتخابات الرئاسية تأتي في سياق محلي يتميز، على الخصوص، بالتعاطي بجدية والأهمية التي توليها مختلف الأطراف لهذا الاستحقاق الانتخابي، والتي تظهر حرصا كبيرا على نجاح تجربة الانتقال السلمي للسلطة، بوصفها ضمانة من الضمانات الأساسية للاستقرار، الذي يعد وحده كفيلا بإنجاز تنمية طال انتظارها.
وأضاف  أن هذا السياق يتسم، من جهة أخرى، بتغييرات عديدة تطال المشهد السياسي برمته، حيث تستعد الموالاة لتحد لم تجربه في السابق، وهو إنجاح مرشح لمنصب الرئيس، لا يشغل كرسي الرئاسة وقت إجراء الانتخابات، فضلا عن انضمام قياديين سابقين في المعارضة إليها.
وتابع أن المعارضة تجد نفسها في ظرفية بالغة التعقيد، تتسم بغياب أبرز قياداتها التاريخية وأكثرهم خبرة في منازلة السلطة في هذه الانتخابات، بفعل عوامل قاهرة أبرزها عامل السن الذي يمنعهم من الترشح، ناهيك عن عدم توافقها على مرشح واحد وانقسامها بين عدة مرشحين ينحدرون من صفوفها، من جهة، ومرشح قادم من النظام من جهة أخرى، وهو الأمر الذي يطرح علامة استفهام كبيرة حول قدرتها على الحاق الهزيمة ب”مرشح الأغلبية” في الشوط الأول، أو جره إلى معركة استنزاف انتخابي عبر فرض خوض شوط ثان عليه.
وبخصوص السياق الاقليمي الذي يدور فيه هذا السباق الانتخابي، أوضح الباحث في العلوم السياسية أنه يتسم هو الآخر بمجموعة من السمات العامة، أهمها اكتشاف كميات هامة من الغاز على الحدود البحرية الموريتانية السنغالية مع ما يطرحه ذلك من ضرورة تدبير تعاون من مستوى عال يمكن كلا البلدين من الاستفادة من تلك الثروة الطبيعية بأفضل طريقة ممكنة في تحقيق التنمية، يضاف إلى ذلك تنامي المخاطر والتهديدات الأمنية في منطقة الساحل، وما يمليه ذلك من ضرورة حشد أكبر قدر من الموارد والقدرات من أجل التصدي لها.
وعبر أنداري عن اعتقاده بأن الرهان الرئيسي للدولة الموريتانية في هذه الانتخابات سيكون هو مدى القدرة على احداث تغيير وانتقال سلمي سلس للسلطة.

وبحسب المراقبين، فإن الناخبين الموريتانيين، الذين يتجاوز عددهم مليونا و500 ألف ناخب، أغلبيتهم من فئة الشباب، يجدون أنفسهم، في هذه اللحظة التاريخية، أمام معطى سياسي جديد، يتجسد في انتخابات رئاسية تنافسية وتعددية في الوقت ذاته، ستعرف مشاركة المعارضة، التي قاطعت أبرز قواها رئاسيات 2014، وسيتنافس فيها عدد كبير من المرشحين، يصل إلى ستة، يمثلون الطيف السياسي والمجتمعي بمختلف مكوناته، من أغلبية حاكمة ومعارضة “راديكالية” وإثنيات عرقية، وتقنوقراط.
وبذلك ستكون أمام الناخب الموريتاني فرصة سانحة للمساهمة في ما يعتبره المتتبعون “تحولا في الثقافة الديمقراطية بالبلاد”، حيث سيلعب صوته، في الانتخابات الرئاسية الحادية عشرة التي تشهدها البلاد، والسابعة من نوعها، منذ انطلاق العمل بالتعددية في تسعينات القرن الماضي، دورا كبيرا في الفصل بين هذه القوى، التي تتباين من حيث تأثيرها وثقلها في الساحة السياسية، وفي مدى قدرتها على استقطاب أكبر عدد من أصوات الناخبين لحسم السباق نحو كرسي الرئاسة، إن كان ذلك في الجولة الأولى للاقتراع الرئاسي أو في جولته الثانية المحتملة، والمقررة في السادس من يوليوز المقبل.
وبعد أن اتضحت معالم السباق الرئاسي، عقب إعلان الحكومة عن أسماء المرشحين الستة، الذين دخلوا في سباق مع الزمن لحشد المزيد من الدعم، من خلال حملتين انتخابيتين، إحداهما سابقة لأوانها، والثانية رسمية (7 – 20 يونيو) ممهدة للاقتراع الرئاسي، سيحتدم التنافس بين قوتين كبيرتين، الأولى يصنفها المحللون على أنها تشكل استمرارية لنهج النظام الحالي، ممثلة في الأغلبية الحاكمة، التي تكتلت خلف مرشح واحد، هو الجنرال المتقاعد ووزير الدفاع السابق، محمد ولد الغزواني.
أما الثانية فهي القوى التي تنشد “التغيير”، وتمثلها أحزاب المعارضة “الراديكالية”، التي ستخوض السباق الرئاسي مشتتة الصفوف، وهو ما من شأنه أن يضعف من حظوظها في منافسة “مرشح الأغلبية”، بعد أن عجزت عن الالتفاف حول مرشح موحد، ودفعت بالتالي بأربعة مرشحين، يتقدمهم الوزير الأول الأسبق سيدي ولد بوبكر، والناشط الحقوقي بيرام الداه ولد اعبيد، ورئيس حزب قوى التقدم، محمد ولد مولود، وزعيم حزب (الحركة من أجل إعادة التأسيس) كان حاميدو بابا، مرشح الأحزاب التي تمثل شريحة الزنوج.
ولعل ذلك ما أفرزته مجريات الحملة الانتخابية، التي دخلت المنعطف الأخير، إذ بالرغم من تقاطع برامج المرشحين في مجالات واختلافها في أخرى، فقد تباينت بالخصوص من حيث الدعوة إلى ضرورة المحافظة على المكتسبات التي تحققت خلال العشرية الأخيرة ومن ثمة البناء عليها، مقابل الإلحاح على إحداث قطيعة تامة معها، ومباشرة تغيير جذري في النهج القائم في تدبير الشأن العام.
كما كشفت مجريات الحملة الانتخابية، عن مدى قوة المرشحين، وقدرتهم على إقناع الناخبين ببرامجهم، إذ استطاع “مرشح الأغلبية”، ولد الغزواني، أن يظهر بقوة في مختلف محطات مهرجانات حملته، فيما تمكن المرشح سيدي محمد ولد بوبكر من الظهور كأبرز منافسيه على كرسي الرئاسة، بالنظر للتأثير القوي لخطاباته، في حين أبان المرشح بيرام الداه ولد اعبيد عن قدرته على حشد الناخبين.
وجدير بالذكر أن الاستحقاقات الرئاسية بموريتانيا، ستجرى في غياب مراقبين دوليين، وخاصة من الاتحاد الأوروبي، وكذا في ظل خلاف حاد بين الحكومة والائتلاف الانتخابي لأحزاب المعارضة حول تركيبة اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، المكلفة بالإشراف على العملية الانتخابية في مختلف مراحلها، إذ تقول المعارضة إن تركيبة اللجنة “غير متوازنة”، وإن “عددا كبيرا من أعضائها ينتمون لأحزاب موالية لمرشح الأغلبية”، مما دفع بها إلى التعبير، غير ما مرة، عن مخاوفها إزاء نزاهة الاقتراع.
وفي المقابل، تعبر السلطات عن ثقتها في قدرة المؤسسات الموريتانية على ملاحظة العملية الانتخابية، ومراقبتها والسير بها إلى بر الأمان.
وفي ظل احتدام الصراع بين القوى المدافعة عن الاستمرارية، وتلك التي تتطلع إلى التغيير، يرى المراقبون أنه من الصعب التنبؤ بما ستسفر عنه نتائج الدور الأول للانتخابات، في ظل سعي “قوى التغيير” إلى جر مرشح “قوى الأغلبية” إلى دور ثان حاسم، تبقى جميع الاحتمالات واردة فيه.

مقترحة :