وقال فريدمان في مقال له بصحيفة The New York Times الأميركية إنه حتى الآن لم أُفضِّل عزل الرئيس ترامب من منصبه، شعرت بقوةٍ بأن رحيله بالطريقة التي جاء بها سيكون هو الأصلح لوطننا، من خلال صناديق الاقتراع. لكن الأسبوع الماضي كان لحظةً فارقةً بالنسبة لي، ولكثيرٍ من الأميركيين بظنِّي، بمن فيهم بعض الجمهوريين.
الاستقالة أو سحب الثقة
وقال فريدمان أؤمن بأن الخيار المسؤول الوحيد أمام الحزب الجمهوري اليوم هو أن يتدخَّل موضِّحاً للرئيس أنه لو لم يُحدِث تغييراً جذرياً في سلوكياته -ولا أحسب هذا مرجَّحاً- فلن يكون أمام قيادة الحزب خيارٌ سوى الضغط عليه لأجل تقديم استقالته أو الانضمام إلى الأصوات المنادية بسحب الثقة منه.
ويؤمن فريدمان بضرورة أن يبدأ التغيير من الجمهوريين، خاصة عند النظر إلى الأعداد اللازمة في كلٍّ من مجلس الشيوخ والواقع السياسيِّ. وقال يجب أن يكون عزل الرئيس خطوةً من الوحدة الوطنية على قدر المستطاع، وإلا ستُزِيد من تمزُّق دولتنا إلى أشلاءٍ. واضعاً في الاعتبار أن خطوةً كهذه ستكون عسيرةٌ جداً على الحزب الجمهوري اليوم، ولكن آن الأوان أن ينهضوا أخيراً لمواجهة هذه الأزمة التي أصابت القيادة الأميركية.
يقول فريدمان لقد أمسى سلوك ترامب منحرفاً بشدةٍ، وكَثُرَت أكاذيبه للغاية، واستعداده للقيام بالوظائف الأساسية المندرجة تحت منصب الرئيس -كقراءة كتيِّبات الاجتماعات الموجزة، واستشارة الخبراء الحكوميين قبل إحداث تغييراتٍ كبرى، وتعيين مسؤولين مؤهَّلين- غائبٌ تماماً، وإقباله على تنفيذ مطالب روسيا وتنفير الحلفاء أمرٌ مقلِقٌ جداً، وهوسه بنفسه وبغروره على حساب كافة الاعتبارات الأخرى لا يتوقَّف، وإذا استمرَّ في منصبه عامَين آخرَين قد يمثِّل ذلك تهديداً حقيقياً على أمَّتنا. من المحال أن يكون نائب الرئيس مايك بنس أسوأ منه.
ماذا سيفعل «ترامب الخارج عن السيطرة» باستقرار العالم؟
ويرى فريدمان أن حجم الضرر الذي يمكن لترامب «الخارج عن السيطرة» أن يتسبَّب فيه يمتدُّ إلى ما خارج حدودنا. أميركا هي حجر الأساس للاستقرار العالمي. عالمنا هو كما هو عليه اليوم -مكانٌ، رغم كل مشاكله، ما زال يتمتَّع بقدرٍ أكبر من السلام والرخاء من أي وقتٍ مضى في التاريخ- لأن أميركا هي كما هي عليه (أو على الأقل كانت).
وتلك دولةٌ في أفضل حالاتها قد دافعت عن القيم الكونية للحرية وحقوق الإنسان، ولطالما تكلَّفت المزيد لتحقيق استقرار النظام العالمي الذي كنَّا أكبر المستفيدين منه، ولطالما كوَّنت تحالفاتٍ وحافظت عليها مع الدول المشتركة معها في طريقة التفكير.
تستحوذ على ترامب فكرةٌ جنونيةٌ هي أن شبكة المؤسَّسات والتحالفات العالمية التي أُنشِئت في أعقاب الحرب العالمية الثانية بأكملها -التي، ومع كل نقائصها، قد وفَّرت وسائل الارتباط التي صنعت هذه الحقبة غير المسبوقة من السلام والرخاء- تهدِّدُ السيادة والرخاء الأميركيَّين وأننا أفضل حالاً من دونها.
يُهدد النظام العالمي
لذا يتشفَّى ترامب في المصاعب التي يواجهها الاتحاد الأوروبي، ويحثُّ بريطانيا على الخروج، ويُسَرِّب أنباءً بإمكانية تفكيره في الانسحاب من الناتو. هذه مؤسَّساتٌ يجب تحسينها جميعاً، ولكن ليس إلغاؤها.
إذا صارت أميركا خطراً على جميع المعاهدات، والمؤسَّسات متعددة الأطراف، والتحالفات التي تحافظ على تماسك العالم؛ إذا تحوَّلت أميركا من كونها رمانة ميزان العالم إلى محرِّكٍ لعدم الاستقرار؛ وإذا تحوَّلت أميركا من ديمقراطيةٍ قائمةٍ على العمودَين المزدوجَين للحقيقة والثقة إلى دولةٍ تقبل هجوم الرئيس على الحقيقة والثقة بصفةٍ يوميةٍ، فاحترسوا: لن ينشأ أولادُكم فحسبُ في أميركا مختلفةٍ. بل سينشأون في عالمٍ مختلفٍ.
كانت المرة الأخيرة التي انفصلت فيها أميركا عن العالم بهذه الطريقة في ثلاثينيات القرن الماضي، وأنتم تذكرون ما تَبع تلك الفترة: الحرب العالمية الثانية.
يتخلص من مساعديه كمناديل ورقية
لكن ليست المشكلة في العالم وحده، بل في الحد الأدنى من اللياقة والاستقرار اللذين نتوقعهما من رئيسنا. لو تصرَّف أيُّ رئيسٍ تنفيذيٍّ لإحدى الشركات العامة في أميركا كما فعل ترامب على مدار العامَين الماضيَين -حيث الكذب المستمر، والتخلص من المساعدين كما لو كانوا مناديل ورقيةً، وكتابة تغريداتٍ دون توقفٍ كما لو أنه مراهق، وتجاهل مشورة الخبراء- لكان مجلس الإدارة قد عزله منذ زمنٍ طويلٍ. أينبغي أن نتوقَّع ما هو أقل إزاء رئيسنا؟
ذلك ما تتساءل عنه الأسواق المالية. طوال العامَين الأوَّلَين من رئاسة ترامب عاملت الأسواق زيفه وجنونه كضوضاءٍ في خلفية الأرباح والبورصات المزدهرة. ولكن لم تعد الحال كذلك. لقد أصاب ترامب الأسواق بالقلق.
أراد التغيير لكن لم يقدم سوى الخراب والجهل
لقد بقي لدينا الآن الفريق «ب»، كلُّ من كانوا مستعدِّين لتولِّي المناصب التي إما استقال منها فريق ترامب الأول -لعجزهم عن تحمّل كذبه وفوضاه وجهله- وإما عُزِلوا منها للأسباب ذاتها.
أشك جدياً في أن أية إدارةٍ أخرى كانت لتستعين بأيٍّ من هؤلاء الاحتياطيين. فهم ليسوا فقط لا يُلهِمونك الثقة في الأزمات، بل إنهم جميعاً يمضون في أعمالهم عارفين أن ترامب يمكنه أن يطعن كلَّ واحدٍ منهم في ظهره بسكِّين تويتر، في أية لحظةٍ، إذا كان ذلك سيخدم مصالحه. ويجعلهم هذا أقلَّ فعاليةً.
ولكن ترامب أفرط في إعطائنا تغييراتٍ دون أية خطةٍ لما هو قادمٌ. لقد عمل على تدمير «أوباما كير» دون تخطيطٍ للخطوة التالية. وأعلن الانسحاب من سوريا وأفغانستان دون حتى استشارة رئيس هيئة الأركان المشتركة، ولا كبير خبراء وزارة الخارجية، ناهيك عن حلفائنا.
لقد أراد الناس التغيير، ولكن ترامب لم يعطِنا إلا خراباً وإلهاءً وإسفافاً وجهلاً تاماً.
أكبر تغييراته تقويض القيم الأميركية
وبينما من الصحيح أننا بحاجةٍ إلى التغيير في بعض النواحي، فنحن كذلك بحاجةٍ ماسةٍ إلى الابتكار في نواحٍ أخرى. كيف نتعامل مع هذه الشبكات الاجتماعية العملاقة؟ كيف ندمج الذكاء الاصطناعي بجميع جوانب مجتمعنا، كما تفعل الصين؟ كيف نجعل التعليم المستدَام متاحاً لكلِّ أميركي؟ في وقتٍ نحتاج فيه إلى بناء الجسور نحو القرن الـ21، كل ما يفعله ترامب هو الحديث عن بناءٍ سورٍ مع المكسيك، وهي حيلةٌ سياسيةٌ لاستنفار قاعدته بدلاً من عملية الإصلاح الشاملة لنظام الهجرة التي نحتاج إليها بحق.
لقد كان أكبر تغييرات ترامب هو تقويض العادات والقيَم المرتبطة في أذهاننا برئيس الولايات المتحدة وقيادتها. والآن وقد حرَّر ترامب نفسه من أية قيودٍ داخل هيئة البيت الأبيض ومجلس وزرائه وحزبه -لكي «يمكن لترامب أن يكون ترامب»، كما يُقال لنا- فهو يتمتع بحريةٍ أكبر من أي وقتٍ مضى ليُعيد تشكيل أميركا على صورته.
إذا بدأت أميركا تتصرَّف كمحتالٍ كاذبٍ وقحٍ أنانيٍّ مثل ترامب، فببساطةٍ لا يمكنكم تصور حجم عدم الاستقرار -وحجم الاضطراب- الذي قد تتعرَّض له الأسواق والجغرافيا السياسية.
ولن نقدر على تحمل ثمن معرفة الإجابة عن ذلك السؤال.